quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Login
Login
Please wait, authorizing ...

المقدس والمدنس - ميرسيا الياد

8873 التحميلات

المقدس والمدنس - ميرسيا الياد

المقدس والمدنس :
مقاربة سوسيوأنثروبولوجية :
ما من شك في أن الإنسان لا زال يعيش في عالم ثنائي من الغيبيات والواقع، وأنه في وجوده أسير لأساطير ومحرمات ومقدسات تتناول كل مقومات هذا الوجود، ويندر أن يتساءل المرء عن ماهية المقدس والمدنس؟ ولماذا وصف ذلك الشئ بالمقدس والمدنس؟ أو بمعنى آخر، لماذا اعتبر هذا المكان وذلك الجبل مقدسا، في حين دمغ غيره أو دمغت ظاهرة طبيعية بكونها مدنسة أو مجردة من القداسة؟.
1. المقدس: محاولة تحديد:
يصعب حصر مفهوم المقدس من وجهة نظر وحيدة أو داخل حقل معرفي معين من حقول المعرفة الإنسانية، لأن هذا المفهوم يتجاوز ما هو محسوس إلى ما هو مجرد، أو يجمع بينهما. وبهذا، حاز هذا المفهوم حضورا عميقا وعريقا في متوالية التعاريف والمقاربات والتأويلات التي طالها الفكر الإنساني بصدده.
فالمقدس في لسان العرب من قدس، تقديس، أي تنزيه الله عز وجل، وفي التهذيب : القدس تنزيه الله تعالى، وهو المتقدس القدوس المقدس. ويقال : القدوس فعول من القدس، وهو الطهارة.
والتقديس : التطهير والتبريك، وتقدس أي تطهر.

أما في موسوعة لالاند الفلسفية، يعتبر مقدس كل ما يتعين عليه أن يكون موضوع احترام ديني من قبل جماعة من المؤمنين.
فالكائنات أو الأشياء المقدسة هي تلك التي تدافع عن المحرمات وتحميها، بينما تكون الكائنات أو الأشياء المدنسة هي الخاضعة لتلك المحرمات والتي لا يجوز لها الاتصال بالأولى إلا بموجب عبادات وشعائر محددة.

وفي القاموس الانتروبولوجي، المقدس هو صلة يطلقها المجتمع على أشياء وأماكن وأعمال يعتبرها واجبة الاحترام، فيقيم لها طقوسا دينية لاعتقاده باتصالها بعبادة الإله، أو الآلهة، أو المعبودات والقوى فوق الطبيعية، أو لأنها ترمز إلى القيم الأساسية للمجتمع، ولهذا فهي مصونة من العبث أو التخريب.
في كتابه le sacré et la violation des interdits، يعتبر الباحث الفرنسي ليفي ماكاريوس أن البحث في المقدس في ذاته إبطال لمفعول قدسيته، بل إنه شكل من أشكال انتهاك المحرم. بعبارة مغايرة، يحول البحث في المقدس، هذا الأخير، إلى موضوع شبيه بجميع موضوعات الفكر، يقال باللغة ويفكر بها وفيها، الأمر الذي يخضعه لمنطقها وعقلانيتها الداخلية. ومن ثم يدخل عليه ما هو غريب عنه، ومتعارض معه.
والحال هذا، فإن افتراض إبطال مفعول المقدس حين بحثه وتفكيره، يحيل على تعريف معين للمقدس بوصفه ما ينتفي بحلول ما يعارضه ويغاير طبيعته.
نفس التعريف نجده عند عالم الاجتماع إ. دوركايم، الذي حدد قدسية المقدس بما يعارضها بشكل كامل عن مجال المدنس، فبقدر ما يحيل المقدس داخل سياق تعارضه مع المدنس إلى ما هو طاهر وخالص، فإن المدنس يحيل إلى ما هو دنيوي ونجس.
إن المقدس في تصور إ.دوركايم متماثل مع الديني الذي يعتبر ابتكار جمعي، لذا فإنه مميز بالتعالي عن حياة الأفراد، وهو الوجه المفارق والمتعالي لحياة الجماعة الدنيوية، وبسبب سماته وخصائصه تلك، لا يستطيع التعايش مع ما يعارضه ويهدمه أي المدنس.
في نفس هذا الطرح الدوركايمي، يذهب مارسيل ماوس إلى القول بأن كل سؤال عن المقدس يتحول إلى سؤال عما يعارضه ويخالفه، وكل تعريف للمقدس يحيل إلى تعريف ما يعارضه، بل يصبح تعريفا لهذا الحد الذي نصطلح عليه بالمدنس.

الملاحظة التي تطرح نفسها هنا، هي أن هذه التعاريف، وخاصة التعريف الدوركايمي للمقدس، يقلص أمام الباحث تعقد وتشعب هذا المجال، حيث يصبح بالإمكان إرساء الحدود بوضوح بين ما هو مقدس وما هو مدنس، في حين أن هذين المفهومين في حاجة إلى مزيد من التنقيب والبحث لرفع الالتباس والغموض الذي يحيطهما.
على هذا الأساس، عملت الأبحاث الكثيرة التي جاءت بعد إ.دوركايم على رفع التعارض بين المقدس والمدنس من جهة، ومن جهة أخرى، على فك وصال التماهي بين المقدس والديني، من دون نفي العلاقات والتشاركات الحاصلة بينهما. حيث نجد من الباحثين من يؤكد على الانفصال التاريخي بين المقدس والمؤسسات الدينية، مثلما نجد من يؤكد أن الديني لا ينشئ المقدس ويؤسسه، بل يحاربه من دون هوادة.
في سياق هدم هذه الهوة التعارضية بين المقدس والمدنس، ورفع التماهي والمماثلة بين المقدس والديني، اعتبر ايفانس بريتشارد أن العلاقة بين المقدس والمدنس حركية ومطاطية، وليست تعارضية ومتوازية، فما يعتبر مقدسا في مجتمع معين، يكون مدنسا في مجتمع أخر والعكس صحيح.
في نفس المنحى، استعمل ميرسيا الياد لفظ التجلي، الذي سمح بتجاوز الثنائيات التعارضية، ومن تم إعلان أشكال التواصل القائمة بين المقدس والمدنس. فالمقدس هو فقط تجلي للديني في الزمان والمكان والسلوك والعمران والهندسة والطبيعة...الخ، ومن حيث هو كذلك تظل إمكانية العبور من المدنس إلى المقدس، ومن المقدس إلى المدنس حاضرة على الدوام.
إن للمقدس مجالات تجلي متعددة، تختلف من مجتمع لآخر، حيث تشمل على سبيل المثال لا الحصر الوجود الطبيعي ( الأمكنة، الأنهار، والأشجار...)، وما فوق طبيعي

( الكائنات السماوية، والآلهة...)، وكذا الزمان ( كدورات الفصول، والليل...)، والأشخاص ( كالأنبياء والصلحاء...)، وأخيرا اللغة والأساطير والشعائر والطقوس.
فمجتمعات كالهندوس مثلا، يقدسون البقرة لأسباب دينية، لأنهم يشعرون حيالها بما يسمى ( الأهيمسا ahimsa)، وهو قانون أخلاقي يفرض تجنب إيقاع الأذى بأي كائن حي، أو قتله.
نجد أيضا، ما يسمى بالدعارة المقدسة، التي تمارسها النساء في بعض المجتمعات داخل المعابد، حيث تعتبر تلك المجتمعات البغايا عابدات، والبغاء يثبن عليه، ويصرف المال الذي يحصلن عليه من ممارسة البغاء على المعبد.
قس على ذلك مجموعة من النماذج والمظاهر الأخرى التي يتجلى فيها المقدس كالأماكن والأرقام المقدسة، والأشجار والأشياء المقدسة، إلى غير ذلك.
بعد هذه المحاولة في تعريف وتحديد مفهوم المقدس، ننتقل إلى مفهوم آخر، يعتريه الغموض والالتباس والتداخل مع المفهوم الأول، هو مفهوم المدنس.

2. المدنس : محاولة تحديد:
المدنس في لسان العرب، من الدنس في الثياب، أي لطخ الوسخ، ونحوه حتى في الأخلاق، والجمع أدناس. وقد دنس يدنس دنسا، فهو دنس، أي توسخ.
في القاموس الأنتروبولوجي، المدنس يعني كل شيء دنيوي خارج عن نطاق الدين، وكل سلوك لايمت إلى الطقوس بصلة.
أما الباحث جان كازينيف، يرى أن المدنس ينحصر في اللاسوي، أي في كل ما لا يتطابق مع المألوف الرؤية، حيث يقول : { يكون مدنسا كل ما يشارك من قريب أو من بعيد،

مباشرة أو بالملامسة، في انقلاب النظام الطبيعي أو النظام الاجتماعي، إذ إن هذين النظامين متمازجان بقوة في حياة البدائي. ويكون مدنسا كل ما يمنع الجماعة من الإنعام على كل
أفرادها بحياة هادئة، بلا قلق، بلا مشاكل فردية، وبلا مفاجئة. وفي مستطاع الإنسان السوي دفع هذه الدناسة الوجودية، وتجنبها كخطر يتهدد حياته.}
إن معظم التعاريف التي حظي بها مفهوم المدنس، تحصر هذا الأخير في كل ما هو قذر ومكروه، في حين أن المدنس لا يكون بالضرورة كل ما هو قذر أو مشكوك في نظافته، أو حتى ما هو مكروه، فالكحول يمكنها أن تكون طاهرة كميائيا، لكنها تظل مع ذلك محرمة ومدنسة من الوجهة الدينية، كذلك الحجاج الذين يغطيهم الغبار وأحيانا القاذورات، يكونون في حالة إحرام، حيث يسمح لهم بأداء الشعائر الأكثر قداسة. وإن حيوانا للذبح مهما كان نظيفا، يعتبر مدنسا، عندما لا يجري ذبحه حسب تعاليم الشريعة الدينية، لكنه يعد صالحا للاستهلاك، ولو كان وسخا مادام ذبحه قد جرى حسب ما يأمر الدين.
عموما، يظل مفهوم المقدس والمدنس، من المفاهيم التي قلما نعثر عليها داخل البحوث والدراسات التي تعالج مثل هذه المفاهيم بمنطق العلم والبحث العقلي.

II. أشكال حضورالمقدس في الثقافة الشعبية :
1. قداسة المكان :
تختلف قيمة الأماكن والمجالات باختلاف المجتمعات والثقافات ، فالمكان باعتباره مفهوما مجردا هو أيضا عبارة عن بنية تتحرك في التمثلات تتداخل فيها المستويات المادية والرمزية والطقوسية أي الثقافية عموما، حيث أماكن مقدسة أكثر من أخرى،ومن هنا نحتاج إلى تفكيك سوسيوأنتروبولوجي حتى نستوعب المعاني المادية والرمزية للأماكن، لكن قبل ذلك لابد أن نشير إالى أن المقدس الديني مختلف باختلاف المجتمعات، ومن هنا لابد أن نقوم بتمييز بين الدين الشعبي والدين المعياري وبين الدين والتدين ،بين أيضا النص الأصلي والتأويل بين المدارسة والممارسة، حتى نفهم جيدا المقدس. فإذا عدنا إلى ذلك التمييز السالف نجد المقدس في كليهما مختلف وربما متعلرض ومتضاد، ولدالك حينما نكون نناقش الموضوع هذا بباراديغم سوسيولوجي أو أنتروبولوجي فلابد أن نتسلح بأليات احلذر الإبستيمولوجي والمنهجي لكي لانسقط في الفنتازية أو الدوغمائية المنهجية، ونحن لانروم الى العلمنة السياسية بل إلى العلمنة العلمية بالفصل والفصم بين الحقول المعرفية منهجيا.
إن قدسية المكان والزمان حاضرة في مخنلف المجتمغات ،فهي تحضر شأنها شأن البدن/الروح، المادة /الفكر، السيف:/القلم، السلطان/القرأن، فمختلف المقدسات نجدها مرتبطة بثنائيات ذكر/أنثى، خيرمشر،أعلى/أسفل، بارد/حار، صلب/ركب، كل/جزء، طبير/صغير، عبد/سيد،غني/فقير،يسار/يمين،ليل/نها،رننور/ظلام،حقيقة/كذب،حق/باطل،ظاهر/باطن، خارج/داخل،ذاتي/موضوعي.... إن ما نريد أن نقوله هو أن هناك تقسيم سوسيومكاني ينتج ويعيد إنتاج أجزاء من المكان المتفاضلة، فحينما نتأمل الأية الأية الكريمة "اخلع نعليك إنك بالواد القدس طوى" نفهم أن هذا الحيز المكاني مقدس وتوجد أماكن مجردة من هذد الطابع التقديسي" فنجم الدين باماط "حينما تأمل المجال الإسلامي وجده مقدس يوجد على شكل دوائر ونحن نعلم مع اليونان أن الدائرة هي أكمل الأشكال الهندسية حيث ركز هنا على الجامع فلاحظ أن أحياء مدينة فاس القديمة طبعا لكل منها مسجدها الخاص الذي تقام فيه الصلوات الخمس، لكن يوجد في قلب المدينة جامع القرويين الذي تجتمع فيه ساكنة مجتلف الأحياء يوم الجمعة، فمختلف الجوامع الفرعية تدور حول الجامع المركزي، لكن خارج سور المدينة توجد المصلى التي تجمع في مناسبات تتكرر سنويا (العيدين الفطر والأضحى) المديني والقروي وهذه أمور تتحكم فيها المرجعية الدينية. إلا أن المكان الأكبر قدسية الذي يجمع كل المسلمين من مختلف بقع المعمور والذي يكفي زيارته مرة واحدة في العمر، هو المعروف بقبلة السلمين "بكة "مكة" إنه مكان الحج، فجبل عرفات معطى طبيعي مقدس دينيا

إضافة إلى الكعبة ومسجد الرسول والصفا والمروى وغار حيراء ...الخ كلها أماكن مقدسة في الثقافة الإسلامية.
على أنه لايجب أن يغيب على بال وكما قال "جيروم مونيي" أن هناك ما يعرف بالإنتاج الإجتماعي لقداسة المكان ، حيث الجماعة تتفق على الإعلاء من شأن مكان ما اعتقادا ببركة ذلك المكان أو الخوف من أهل المكان، فالأضرحة والقبور والمعبد وما يسميه "إدوارد طومسون هال" بالأنهار المقدسة كلها تتحكم فيها الثقافة، فهذا الأخير في كتابه "الغة الصامتة " يرجع طريقة شغل المجالات والأمكنة وقداستها إلى الثقافة.
إن ظهور ممارسة اجتماعية معينة تفسح المجال أمام تدخل الفاعلين الإجتماعيين تجعلهم يقدسون المكان حسب تموقعهم الإجتماعي. فالإقتصادي يقدس المكان لارتباطه بالإلتزلمات الإنتاجية (سوبيرمارشي مرجان...) التي لها إنعكاسات على الأرباح الإقتصادية والأوضاع الإجتماعية.والقصر مكان مقدس سياسيا لأنه مكان التدبير والسلطة والقيادة. وإذا ما عدنا إلى دراسة محمد بوغالي "تمثل المجال عند المغربي الذي لا يعرف الحرف (الأمي) نجده الإنسان المغربي الأمي يقدس أماكن حسب مرجعيات مختلفة، فبالرسم الكارطوغرافي كمنهج إعتمده محمد بوغالي لإستطلاع تمثلات المخبرين لالمجالات فتوصل الباحث إلى أن البعد المهني إلى جانب البعد الديني تتحكم في تفضيل مجال على أخر، حيث يربط مبحوثي بوغالي البيت كمكان للإقامة على مكان العمل كالزرعة، حيث نجد أحد مبحوثي بوغالي يرسم الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب مراكش متغافلا المسافة بينهما برا وبحرا، ولما إستفسره بوغالي توصل إلى أن مراكش تمثل مكان العمل أما الولايات المتحدة الأمريكية فتمثل مكان تصريف وبيع منتوحاته، كما أن الإرتياد اليومي على بعض الأماكن يجعل منها مقدسة أو شبه مقدسة كالمسجد والضيعة الزراعية.

إن عتبة الكنيسة تعتبر حسب المتدين الحد الفاصل بين عالمين، إنها تنقله من العالم الدنيوي إلى عالم المقدس فعملية المرور على العتبة لاتكون إلا بحركات معينة ركوعا أو انحناءا تقديسا لرمزية العتبة التي لها حراسها.
ولقد عبر الإنسان عن المكان المقدس بتقديم القرابين والذبائح والضاحي أو بالتعازيم....
2. الزمن المقدس :
إن قدسية الزمان لاتقل أهمية عن قدسية المكان، فهناك فترات زمنية أفضل من أخرى في المخيال الإجتماعي، فشهر رمضان زمن مقدس تحرم وتمنع فيه مجموعة من السلوكات التي يحضر فيها الدين والأعراف والعادات، أو قد يغيب الدينن. ونحن مفبلون على رأس السنة الملادية الجديد 2011 نجد المسيحين يحتفلون برأس السنة هذه،وترتبط به مجموعة من الطقوس الإحتفالية، ثم إن المتأمل في هذا يصل إلى أهمية هذ الحدث الزماني في أوربا مثلا خاصة وأن قدسيته تصل إلى درجة إقاف الشغل لمدة زمنية معينة.
ويرى "مرسيا إلياد" ان هناك فترات الزمن المقدس كزمن الأعياد ذات الدلالة الدينية، إضافة إلى الزمن الدنيوي ، حيث يرى مرسيا دائما أن الإنسان المتدين يستطيع بواسطة الشعائر المرور بدون خطر من المدة الوقتية العادية إلى الزمن المقدس، فكل وقت طقوسي يتكون من إعدة تحيين حادث مقدس حاصل في الماضي، فعيد ديني معين يقتضي حسب إلياد دائما الخروج من الفترة الزمنية العادية فالزمن المقدس ممكن الإستعادة إذن إلى ما لانهاية باعتباره زمنا أنطولوجيا يشكل رأسمالا رمزيا تحتفي به الجماعة وإذا كان " مارتن هيدغر" في مسألة المقدس يرى بانغلاق المقدس المتجسد في "نزع الطابع الإلهي عن الإله" في العصر الحديث فإن مستقبل المقدس يكون بظهور إله اخر جديد حسب هذا الفيلسوف، وبالتالي يرى هنا أن الإله الجديد ناتج عن علاقة المقدس بالعدمية الاوربية أي انحراف

الماهية الأصلية من الإلهي إلى الإنساني، فالعدمية نزعت الطابع الإلهي عن الإله وهذا يجب أن نبحث عن أسبابه الأطتوتاريخية من أجل الوصول بالإنسان إلى مكمن المقدس المدعم بالنشاط الإلهي، وهنا يرى مرسيا إلياد بأن العيد يشكل الظهور الأول للزمن المقدس المدعم بالنشاط الإلهي.
إن الزمن متراتب فإضافة إلى الزمن الرتيب للعمل هناك أزمنة للمتع والإستعرضات يعيش فيها الإنسان على إيقاعات زمنية. وهناك فرق بين زمن قدس من طرف الألهة وزمن قدس من طرف الإنسان وتقسيم حسب مرسيا يتوافق والتميز بين المتدين والغير المتدين . فزمن الحج، وصوم رمضان، وعاشوراء... كلها يدعمها الدين المعياري، أما عيد المرأة والإستقلال والطفل والشغل.... فبعيدة عن أي دعامة إلهية، إنما هي من خلق إنساني، وبالتالي لايمكن أن نمسك بهذه الصفة الغير بشرية للزمن المقدس، ثم إنه لا يمكن للزمن أن يمثل أو ينقطع أو يتوقف أو أن يكون سرا محتكرا، بل هو يشكل عمق وجودي للإنسان له بداية وله نهاية وهي الموت كزمن مقدس. إن الزمن المقدس في الكنيسة ليس هو الزمن الحاضر أو المعاش واليومي، بل هو الزمن الذي جرى فيه الوجود التاريخي للمسيح باعتباره ابن الله.
إن للزمن أهمية على مستوى كوسموس قدسية تجعل منه زمنا أنطلوجيا يعيش فيه الكائن أرقى مقامات كينونته، فالزمن المقدس تجربة وجودية وحياة شعورية تترسخ بطقوس مرافقة للزمن المقدس.
ونجمل عموما ان المكان والزمان رغم أنهما مفهومين مجردين إلا أنه لا يجب أن نحللهما بمنظور ميتافيزيقي، فلابد من مجاوزة الميتافيزيقا بالقيام بعملية حفر وتفكيك وتقويض واستذكار للمقدس عبر جنيالوجيا المكان والزمان المقدسين في حياة الفاعلين الإجتماعينن ويجب رفع اللبس على المفاهيم لأن لها قدرتة على الإيهام والتوهيم، ولأنها تخفي ما لاتظهره/ ولاتظهر ما تخفيه لذلك لابد من تفكيك سوسيوأنتروبولوجي عميق لهما.

3. إستراتجية المقدس واستراتيجية السلطة :
نحن في هذا الإطار سنجد أنفسنا في حقل سوسيوسياسي وفي الأنتروبولوجيا السياسية بالأساسن سنحاول أن نتطرق فيه إلى حضور المقدس في السياسة وارتباط ذلك بتمثلات الناس التي هي جوهر الثقافة الشعبية خاصة وأن السياسة تأتي كعنصر ثالث في الثالوث المحرم الذي ساهم كل من المتخيل الإجتماعي والثقافة الشعبية بشكل عام في جعله طابو وممنوع الولوج إليه، ذلك أن الأحداث السياسية وما يعرف في تاريخنا بسنوات الرصاص تجعل من المقدس مو"أحد ابعاد الحقل السياسي، بل يمكن أن يكون المقدس أداة للسلطة وضمانة لشرعيتها" ، وهذا جعل المغاربة ينسجون أقوالا من قبيل "راه الحيوط عندهم ا
الودنين،راه الحيوط كايسمعو، البركاك..." وجعل المشهد السياسي يعرف ثقافة سياسية خاصة. إن ارتباط المقدس بالسياسة ارتباط وثيق يجعل المقدس يستمر عبر الأجيال التي قد تتصارع من اجل احتواء المقدس ذلك أن بنى السلطة وارتباطها بطقوس الأجداد المقدسة وظهر الكاريزما الموهوب يصل بسماته الفريدة إلى السلطة وبالتالي لايصل إلا بالمقدس وهو نفسه قد يصبح مقدسا باعتباره شخصا ملهما/ وشخصية فريدة وفذة لن تتكرر فيصبح هو المثال المقدس في المجال السياسي، فالمقدس يدخل كعامل رئيسي في بلقنة الأوضاع في الشرق الأوسط وقضية القدس، والهيكل، وأرض الميعاد،وجزء من قضية الإسراء والمعراج، اصبح هذا المقدس قضية جيو استراتيجية برزت حولها انتفاضات ونكسة

ومفاوضات وعلاقات ديبلوماسية،إنها حرب مقدس من اجل تحطيم مقدس، ولكن لانعرف بشكل نهائي النصر حليف من من المقدسين .
إن مفاهيم: السلطة الحكم والتحكيم والتحكم تبنى على المقدس، واستراتيجية المقدس كما يقول ميديلتون منبع لأغراض سياسية بوجهين: إذ يمكن أن توضع هذه الإستراتيجية في خدمة النظام الإجتماعي القائم أو أن تخدم طموحات هؤلاء الذين يريدون الفوز بنفوذ الإستلاء على السلطة وتشريعاتها . وبالتالي هنا نستنتج بأن هناك تلاعب بالمقدس، وهوتلاعب يعبر عن تناقض طبقي بين من يعتبره وسيلة ومن يعتبره غاية، ومن تمة القيام بإحتفالات وطقوس تدخل ضمن الثقافة الشعبية تعبر عن المقدس. وإن كان من ترابط بين مفاهيم: السلطة الثقافة الشعبية المقدس المدنس فإننا نجدها عند "فورتس" وهو أنتروبولوجي درس قبائل التالانسي في غانا يقول حينما يمارس التالينسيون عبادة الأجداد ليس لأنهم يخافن الأموات إنهم عمليا لايخافونهم وليس لنهم يعتقدون بخلود النفس فليس لديهم مفهوم كهذا، إنما لأن بنيتهم الإجتماعية تتطلب ذلك ، ويشرح جورج بلانديه هذا القول بأن عبادة الأجداد في هذا المجتمع العشائري يجب أن تفسر اعتمادل عل نظام العلاقات الإجتماعية والنظام السيسيوالقانوني أكثر من الإعتماد على الماورائيات بمعنى أخر إن المقدسات نجدها في العالم الفيزيقي والإجتماعي، أي حضور المقدس بأشكال مختلفة في المجتمع وذلك الإختلاف راجع إلى الإختلاف بل وتعدد الثقافة الشعبية حتى في المجتمع الواحد واختلاف النظرة للرموز وطرق تأويلها. أما العالم الميتا اجتماعي المفارق للجماعة فلا حضور فيه للمقدس، وبالتالي الحكم وممارسة السلطة مستمد من الواقع الإجتماعي وليس من عالم أفلاطون ولا حتى محايث أو متضمن في عالم أرسطو. لكن نجد بعض الأبحاث الأنتروبولوجية تثبت العكس من ذلك، إذ ترى بأن المقدس له ارتباط بل ومِؤثث بالماوراء والمنحجب والغير المنكشف وهنا نحيل ألى كتاب ميرسيا إلياد المقدس والمدنس. وإن كان من تفسير علمي لهذا الأمر فإنما يعزى إلى اختلاف الثقافة الشعبية ومقدسا تها.

4. نماذج المقدس :
الحقل الصوفي : نموذج ضمن كوكب مقدس
تواجه الإنسان في كل العصور مجموعة من المشاكل بعضها مادي، مثل توفيرمتطلبات الحياة من مأكل وملبس ومسكن، وبعضها علائقي، مثل تضارب المصالح الناتجة عن متطلبات النوع الأول من هذه المشاكل، وبعضها روحي مثل العلاقة بين الحياة والموت الأخروية، ومواجهة هذه المشاكل يقتضي آتخاد عدد من التنظيمات التي تهيئ له نظريا حلول هذه المشاكل المذكورة، وتختلف تلك المواجهة حسب معطيات الوسط الطبيعي والفكري والثقافي وحسب تطور المجتمع، مؤدية بذلك إلى ظهور أنماط تنظيم تميز مجموعات بشرية عن غيرها في المكان والزمان .
في طرحنا هذا سنحاول التركيز على المتطلب الثالث، المتمثل في الجانب الروحي عند الكائن الإنساني، محاولين بذلك الوقوف عند بعض حيثيات وأشكال حضور القداسة في النموذج المعتمد، باعتباره انعكاسا روحيا بالدرجة الأولى لتجربة الإنسان وعلاقته بالمقدس والقارة الغيبية .
قبل تحليل بعض جوانب هذا الطرح، لابد من التذكير أن مقاربتنا هاته لظاهرة التصوف، ماهي إلا ذرة معرفية ضمن جسد فينوميني متشعب، ما يعني أن هذه الورقة لا تدعي الحصر والرصد أو بالأحرى المقاربة البانورامية لظاهرة التصوف .
عموما، فقد آرتبط ظهورالتصوف وتطوره بفكرة الموت ، بل أكثر من ذلك، فقد آكتسى مفهوم الموت لدى المتصوفة أبعادا فلسفية عميقة، سيكون لها بشكا أو بآخر نتائج وامتدادات على المستوى الحياة الإجتماعية والسياسية أيضا، وقد ميز المتصوفة بين شكلين من الموت:( موت طبيعي) و(موت صوفي )، و يعتبرهذا الأخير أرقى أشكال الموت باعتباره

شكلا من أشكال التوحد والفناء في الله، خاصة وأن الإنسان كما يقول {مرسيا إلياد} له نزوع نحو المقدس، وميل أكثر للعيش في المقدس، ويرجع ذلك حسب{مرسيا} إلى كون المقدس يعادل القوة وفي النهاية يمثل الحقيقة بآمتياز، لكونه مشبع بالكينونة، وقوة مقدسة تعني في آن واحد حقيقة وخلودا وفاعلية، ولذلك فآلإنسان المتدين لايستطيع أن يعيش إلا في مناخ مشبع بالقداسة، أي بعبارة أخرى، أن الفرد له ميل دائم نحو الحقيقة المثالية المطلقة، والتي يمثلها المقدس السماوي الذي لايمكن الوصول إليه، إلا عبر الموت الصوفي حيث إمكانية الفناء في الله وإيذان بحياة جديدة وشكل جديد من الوجود، يسميه المتصوفة بالولادة الجديدة .
لهذا الأمر، آهتم كثير من الباحثين بتوضيح أشكال تجسيد تصورات المتصوفة على مستوى الخطاب والممارسة الصوفيين، وكذا المنطلق الذي تتأسس عليه هذه الممارسة، والعمل على توضيح الأدوار التي لعبها {الصالح} أو {الولي} في مجموعته؛ ويبدو أن مجمل هذه الأدوار تتمثل في ملاحظة أبداها Robert Montagné في كتابه: {البرابرة والمخزن}، مفاذها أن وجود {الصالح } يدخل في إطار التنظيم الذي تقره المجموعة، وتكل لكل عنصر من مكوناته مهمة ما، وتكون مهمة {الصالح} ، هي المحافظة على النظام في
المجموعة بتدخله لحل النزاعات والفصل في الخصومات وحماية الأسواق والمواسم ولو بأشكال رمزية، وهو نفس الدور الذي تلعبه الزاوية بشكل عام، كما أشار إلى ذلك {بول باسكون} في دراسته لزاوية {إليغ}، وما تطرق إليه {إرنست كلنر} في إطار تركيزه على المجموعات الصغيرة، ليجعل من الدور التحكيمي للصالح، أحد أسس آستمرار تلك المجموعات .
ولتقريب الصورة أكثر حول أشكال حضور المقدس في الظاهرة الصوفية، لابد من استقراء مناقب وكرامات الأولياء، لإستخلاص نظرة الجماعة إلى الولي، ذلك أن الكرامة تعطي للصالح قدرة خاصة تميزه عن سائر الناس، وتمكنه من القيام بأدوار معينة، لايتأتى

القيام بها سائر الناس،كما تمثل أحد أهم البنيات المشكلة للحقل الصوفي، وهو مايبرراهتمام الكتابات والدراسات الصوفية بتوضيح حقيقتها وشروطها وأنواعها وأقسامها، وخيط القضية أن الأولياء يتميزون عن غيرهم من البشر، { لأن الله فضلهم بخطابهم وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينه وبين عباده، يُعَرِفُونَهُمْ بمصالحهم ويحرضونهم على هدايته} ، كما أن {الصالح} بتعبير {جاك بيرك}، يتميز بمهمة أساسية في التقسيم الإجتماعي للعمل، كما بتنظيم العلاقات مع الغيب، ومداواة مايسميه {بول باسكون } ضمن {علم الإجتماع القروي}، بالقلق الشعبي وتحقيق الأمن والحصانة الروحية؛ وليس بغريب إذن أن يحظى الأولياء والصلحاء بكل هذا التقدير والقداسة داخل المجتمع، خاصة لما يتم استحضار {البركة} كمصدر للسلطة الروحية بالنسبة للأولياء، خاصة وأن البركة وعلى حد تعبير { إدورد وستر مارك} هي بمثابة عطية أوهبة إلاهية يمنحها لأوليائه الصالحين ، وتجعلهم كم أشرنا سالفا وسائط بين الله والبشر ، ولعل دلالات هذا الوضع السلطوي القداسي والروحي الذي يتسع باتساع مجالات اشتغال الصالح وتدخلاته، يمكن أن نقف عندها بشكل واضح من خلال التمثلات الإجتماعية والثقافية لعدد من الأحداث والوقائع، من قبيل:
{ المجاعات، الأوبئة، الكوارث الطبيعية والسياسية أيضا ، {وكل من كانت زوجته عاقرة أو إذا تأخرت الأمطار} .
كل هذه الوقائع تفهم طبعا كعقاب إلهي قادم من الأقاليم السماوية، إثر تأزم العلاقة مع الله ولا معياريتها، والتي قد تعني في حدودها القصوى مفارقة معلنة له، وهنا بالذات تأتي ضرورة تدخل الولي أو الصالح، لإعادة التوازنات العامة وتنظيم العلاقة مع الغيب عن طريق المصالحة المطلوبة بين السماء والأرض، أو بتعبير أدق بين الإنسان والله، وهنا بالذات تأتي أهمية {الكرامات الصوفية}، من حيث هي خطاب مرمز، له القدرة الإقناعية

والتأثير في المخيال الإجتماعي للناس، ذلك المخيال الذي يقدم نفسه كرجفة حقيقية للفرد من أجل القفز من الذات والإفلات من كل الفوريات التي تحاصره .
في هذاالإطار، شكلت اللغة الرمزية من داخل الكرامة وضعا أشبه ما يكون بإجراءات هروب أو إقلاعات تطلب من المستحيل أن يجعل انتصارا على الواقع أمرا ممكنا، عن طريق خوض الولي أو الصالح حربا ارتدادية ضد الذات وبالأخص النفس، لقتل الشيطان الذي يسكنها ويتملكها، باعتباره مصدرا للشر وسببا في الخطيئة الكبرى، كما أشار إلى ذلك {مرسيا إلياد} في دراساته حول عدد من الأساطير والأديان وفي حضارات مخلفة، حيث يقول أن وجود الإنسان في هذا العالم الدنيوي الفاني، كان نتيجة لضعف أمام الشر أو خطأ، ارتكب من طرف أب أو سلف ميطيقي، وهذا ما أضاع على الإنسان نعمة الخلود وحميمية العالم العلوي، عالم الحقيقة والخير المطلقين، وهذا يذكرنا أيضا بقصة {آدم } عليه السلام مع{ إبليس } كما جاء في القرآن الكريم، ومن هذا المنظور إذن فهناك ذنبا مؤسسا للوجود البشري على الأرض، وجود يمكن اعتباره ضريبة عن خطأ ما، سيرسم البدايات الأزلية لتراجيديا {الإله المفارق}، والتي كانت نتيجة ارتباط الإنسان أشد الإرتباط بالهوى والشيطان والنفس، هذه الأخيرة التي قال عنها { الإمام الغزالي}، أنها أعدى أعداء الإنسان،
ويقول: { إعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك... } ، ولهذا كانت استراتيجية الخطاب الصوفي هي المحو الطقوسي للجسد وتقديس الروح، عبر تطليق ملذات الحياة وأهوائها الدنيوية، كما عن طريق الأذكار و{المقامات الصوفية} والأدعية والإستغفار وماشابه ذلك، مقابل العمل على السمو نحو الأعلى كشكل من أشكال القتل الرمزي للجسد،

باعتباره المركز الذي تتقاطع من داخله كل وسائط الإرتباط تلك، باليومي وبالزمن التاريخي، وهذا يفسر تمثل العامة لجسد الولي الصالح كجسد لا يتفسخ بعد الموت، لأنه أصلا لا جسد له، حيث حسم معه أثناء حياته ومارس في حقه القتل والجهاد والمحو، كما أن جسد الولي الصالح وفق ذات التمثل أشمل وأبعد من أن يختزل في عضويته، نظرا لطغيان جانب القداسة على جانب الدناسة، وكذا التقديس بالذات هو ماكان ينشده الصوفي، بل هو {الرأسمال الرمزي} الذي سيكسبه عبر ما يسميه المتصوفة :{المعراج الصوفي}، هذا الرأسمال يفسر سر هيبته ونفوذه الروحي وقداسته .
III. المدنس :
1.الجسد شكل من أشكال التعبير عن الدناسة :
لقد شكل الجسد عبر تاريخ الحضارات الإنسانية والميتولوجيا القديمة والتصورات الدينية، حقل تناقضات بارزة، فهو مجال القوة الميتافيزيقية للقداسة والدناسة، وحامل للحياة والموت في آن واحد؛ إن الجسد هو ذلك المجال الذي يتواجد فيه الإجتماعي والفردي، الديني
والدنيوي، المقدس والمدنس، الطبيعي والثقافي...إلخ ، وقد يتبدى ذلك بالأساس في ثنائية الجسد والروح في المتخيل الإجتماعي كما الفلسفي أيضا .
في طرحنا هذا سوف نعمل على الوقوف عند بعض الأشكال الطقوسية المصاحبة للجسد، منتقين بعض النماذج من ثقافة اليهود المغاربة وما تتميز به هذه الثقافة من غنى في الطقوس المصاحبة لتطهير الجسد، إضافة إلى التطرق لبعض هذه الأشكال في الثقافة الإسلامية، متوجيين بذلك هذه السطور بإشارة فكرية إلى موقع الجسد البيولوجي، داخل الجسد الفلسفي الفكري .
يتعرض الجسد داخل ثقافة اليهود المغاربة، لأشكال طقوسية يحضر فيها الأسطوري كما الثقافي والرمزي، فيكون الجسد بذلك ليس فقط معطى بيولوجي، بل أيضا حقلا لمعتقدات

وأساطير وطقوس، تروم إضفاء طابع عقائدي على هذا الجسد وإقحامه في عالم القداسة، وتكفيره عن الخطايا التي يعتبر مصدرها الأول، والمتمثلة بشكل قوي في قصة آدم وحواء، وكان لذلك وقع كبير على تصور جسد المرأة بالخصوص، حيث ارتباطه بالدناسة أكثر من ارتباطه بالطهارة، وهو الأمر الذي نجده بشكل قوي عند ثقافة اليهود المغاربة، حيث نجد أن التوراة والإنجيل يشيران إلى أن دم الحيض والولادة يدنسان المرأة ويتطلبان تطهيرا ذا مراسيم وطقوس وصلاة محددة من طرف الشريعة اليهودية، يقوم بها الأحبار بالأساس، ويخبرنا التلموذ أن المرأة الحائض لاتدخل الكنيسة ولا حتى إشعال فتائل يوم السبت كزمان مقدس، لأنها مدنسة، ما يقتضي إخضاعها لمجموعة من الطقوس، يسميها{ فان كينيب} {Arnold Van GENNEP} ب {طقوس المرور}، les rites de passage تروم بشكل أوبآخر، الإنتقال بجسد المرأة من عالم الدناسة إلى عالم القداسة، ونفخ روح جديدة وبالتالي ولادة جديدة للجسد، وهو الأمرالذي نجده حاضرا بشكل قوي في مرحلة الولادة عند اليهود، إذ نجد أن نصوص التوراة والإنجيل تضع عقوبة على جسد المرأة، تختلف باختلاف
جنس المولود،{ فإذا حملت آمرأة وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام، وإن أنجبت أنثى تكون نجسة أسبوعين، كل شيئ مقدس لاتمسه وإلى المقدس لا تجيئ حتى تكتمل أيام تطهيرها} ، وما يقال عن تطهير الجسد كشرط لإقتحام الكنيسة عند اليهود المغاربة، يقال أيضا في طقوس الموت، حيث يتم غسل الميت وإزالة النجاسة عنه، قبل رحيله للقاء ربه، و يتم تخصيص الصف الأخير أو الصف الأمامي على بعد أربع خطوات من المقبرة للحبر{ نسبة إلى الأحبار} المتوفى ويقام في نفس الوقت حاجز يقي أقارب المتوفى من الدنس الذي قد يلحقهم، في حالة ما إذا لمسوا جثث الموتى من اليهود العاديين، أو اقتربوا منهم .
قد لا نختلف في هذا الإطار إذا ما قلنا أن مغزى كل هذه الطقوس، تروم في أبعد دلالاتها الرمزية، تطهير الجسد قبل آقتحام عالم القداسة، سواء بالنسبة للكنيسة عند اليهود أو

المسجد لدى المسلمن، وهو مايبرر تشديد القواعد الإجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات على منع مجموعة من السلوكات الشاذة، اتجاه المقدس الديني، من قبيل التبول داخل المجال المقدس، أو ارتكاب جرائم القتل، كما الإقدام على فعل الممارسات الجنسية، سواء داخل المساجد أو الكنائس أو الأضرحة والمقابر والزوايا ...إلخ
إن التركيز هنا على النجاسة المرتبطة بجسد المرأة، لايعني براءة الجسد الذكوري، من هذا الجانب، إذ ما يقال عن جسد المرأة يصدق أيضا على جسد الرجل، مع ضرورة الإحتفاض طبعا ببعض الحالات الشاذة، فجسد الرجل يتعرض للدناسة مثلا، نتيجة العلاقة أو العلاقات الجنسية التي قد تربطه بطرف آخر، شرعيا كان أم غير ذلك، مايعني أن الجسد كما يقول { عبد الصمد الديالمي} معرض لعمليات مد وجزر من الدناسة ، قد تبتدأ بالممارسات الجنسية سواء بالنسبة للمرأة أو الرجل، وقد تستمر مع فترات الحيض بالنسبة للجنس الأول، وفي هذا الإطار بالذات نجد مفهوما آخر يفرض ذاته، ألا وهو مفهوم
{الجنابة} وارتداد الحمامات كطقوس تطهيريية للجسد من الدنس، الناتج عن أحد العاملين السالفي الذكر، أي دم الحيض أو الممارسات الجنسية، هذه الأخيرة حسب{ الديالمي } قد تكون ممارسات ثنائية عادية بين رجل وآمرأة، كما قد تكون مثلية، سحاقية كانت أم لواطية، كما يمكن أن تنتج الدناسة نتيجة مايسميه الباحث{ الممارسة الفردية التنفيسية} ويقصد بالأساس، العادة السرية عند كل من الذكر والأنثى، ولهذا يفرض طقس الجنابة نفسه بشكل قوي لتطهيرهذا الجسد الذي يظل في التصور الإسلامي أو اليهودي موضوع اهتمام دائم يجب الإعتناء بداخله من خلال الحمية وبخارجه عن طريق غسله، وهنا يتم الجمع بين نظافة وتطهيرالجسد وبالتالي قداسته، باعتباره خزان للحمولة الأخلاقية الدينية بالدرجة الأولى، وكبناء ثقافي اجتماعي بالدرجة الثانية؛ غيرأن هذا البناء يطرح في حد ذاته إشكالية إمكانية الإنفلات عن القاعدة الإجتماعية و الثقافية في إطار علاقة الفرد بالمقدس، وفي هذا الإطار يرى {مارسيل موس} ضرورة الإستعانة بقانون جزاءات، يسميه {الجزاء الذاتي} المتمثل

في ضمير الفرد ودرجة العلاقة التي تربطه بالإلاه، لأن المجتمع في إطار ثلاثية الفرد- الطهارة- المقدس، غير قادر على إدراك ما إذا كان الفرد طاهرا أو مدنسا لحظة ولوجه كوكب المقدس، إذ أن المسألة هنا تظل شخصية وفردية تترجم علاقة الفرد بالمقدس الديني، ومرتبطة بما سماه {بيير بورديو}، هابيتوس الفرد الديني، أو مايسميه { كانط }{الواجب الأخلاقي} .
إذا كانت النصوص الدينية غالبا ما تربط الجسد بالدناسة، فنفس الأمر نجده في بعض المقاربات الفلسفية، وإن بشكل آخر، يستحضر ثنائية النفس والجسد وعلاقتها بمبحث المعرفة كما القيم أو الوجود والحقيقة، إذ يرى {أفلاطون} في محاورة {الفيدون} أن الكائن الإنساني، بناء من النفس والجسد، وحيث أن الروح خالدة، وجب التقليل من الإهتمام بالجسد لكونه مصدر الحقيقة الوهمية الزائفة، الأمر الذي يستوجب حسب {أفلاطون} إقصاء الجسد لكي تظل الروح خالدة ومتحررة من السجن المادي المدنس للحقيقة والبداهة المطلقتين .
يتكون الجسد وفق{ أفلاطون} من ثلاث مناطق أساسية: الرأس محل الروح والعقل، والصدر محل الشجاعة {القلب،التنفس}ثم المعدة محل الرغبات والإندفاعات الغريزية، وهي بعبارة أخرى {النفس العاقلة، النفس الغضبية والنفس الغائية } ويوجد بين هذه المكونات تقاطع وتواصل، فالمرض ليس سوى فوضى في الجسد تعدي الروح، ومن تمة تنشأ أمراض الروح، أما الحمق والجهل فينتج عن استعداداتنا الجسدية، بينما اللذة والألم حسب {أفلاطون} هي أخطر الأمراض الجسدية لأنهما يمنعان الكائن من الإنصات إلى الكينونة والعقل والحقيقة والعالم المقدس الذي يمثله عالم المثل، بل أكثر من ذلك يوجهان الروح نحو ارتكاب المعاصي والآثام، تجعل آلكائن يرحل بذاته من عالم الحقيقة المقدسة أو{الخير الأسمى} بتعبير {أفلاطون} باتجاه قارة الحقيقة المدنسة المرتبطة بالزمن، وهنا تحظر عوالم متعددة تتصدرها اللذة، باعتبارها حسب {أفلاطون} بوصلة الجسد، ويقول { لا تفكر الروح بشكل

أفضل، إلا عندما لايضلها لا السمع ولا الرؤية ولا الألم ولا اللذة، بل العكس عندما تنعزل تماما في ذاتها، عندما تُسَرِحُ الجسد وتقطع معه قدر الإمكان، كل تجارة أو آتصال، حتى تتمكن من القبض على الواقع } .
IV. المقدس والمدنس أية علاقة ؟
إن المقدس والمدنس، يشكلان نموذجين للتكون في العالم ووضعين وجوديين معتمدين لدى الإنسان على طول تاريخه، وهذان الأسلوبان كما يقول {مرسيا إلياد} على الرغم من تعارضهما على المستوى الوظيفي، إلا أنهم يشكلان عالمان متداخلان يعبران بشكل أو بآخر عن علاقة التداخل والتنافر ضمن وحدة أنطولوجية، مبنية على مبدأ حواري بتعبير {إدغار موران}، يحتوي على بنيات تروم الحفاظ على التعارض داخل هذه الوحدة، إذ أن أي حديث عن المقدس حسب {مرسيا} يقتضي استحضار المدنس ولو عن غير وعي، والعكس بالعكس، الأمر الذي حدا بِ{ماكس شلر} بالإعتراف بالصعوبة التي تواجه الباحث في
محاولة رصده للعلاقة القائمة بين هذين الحقلين، تتمثل بالدرجة الأولى حسب {شلر}، في البداهة التي يحملها كل حقل على حدة، وهو ما يقتضي حسب {مارسيل موس} وضع هذين المفهومين في سياقهما الذي يتحركان فيه، سواء الإجتماعي أم الثقافي أم الإقتصادي أم السياسي... ، خاصة وأن ما قد يكون مقدسا عند جماعة ما، يصبح مدنسا عند أخري، بل أكثر من ذلك، فإن ما قد يكون بالأمس مقدسا عند جماعة معينة، قد يصبح اليوم مدنسا عند الجماعة نفسها، وهو الأمر الذي يبين مطاطية وديناميكية هذين المفهومين، سواء على مستوى الزمان أو المكان .
كل هذاحسب{مارسيل موس} إن دل على شيئ إنما يدل على كون المقدس والمدنس في نهاية المطاف مجرد بناءات آجتماعية، لمواجهة ما يسميه {سيغموند فرويد}، {الهشاشة السيكولوجية} الناتجة عن الضعف السيكولوجي في تفسير المظاهر الكونية والقضايا الأنطولوجية، والرغبة الجامحة في فهم الوجود والموجود، كما الكائن والكينونة، ثم الغيب كأقصى أشكال التعبير عن الهشاشة والفقر السيكولوجيين .

أمام هذه المشكلة أو بالأحرى الإشكالية المأشكلة، يمكن طرح إشكاليات أخرى أكثر ما تعبر عنه، تمثل في محاولة {أركز هنا على مفهوم المحاولة} الإمساك بالإشكالية الكبرى المرتبطة بعلاقة المقدس بالمدنس، متبنيين في ذلك، ما كان يقوله {إميل دوركايم} لطلبته أثناء إلقاء محاضراته، وماقاله أيضا {مختار الهراس} في ندوته الأخيرة بجامعة إبن طفيل ، تحت عنوان{ علم الإجتماع أمام إشكالية المحلي والشمولي} حيث قال :
{ لا تنتظروا مني أجوبة، بل كل ما سأقدمه لكم عبارة عن أسئلة وتساؤلات ومشكلة وإشكاليات }، وعلى نفس المنوال نتساءل من موقعنا أيضا :

 أين يبدأ المقدس وأين ينتهي ؟
 أين يبدأ المدنس وأين ينتهي ؟
 متى وكيف يدخل المقدس عالم القداسة ؟
 متى وكيف يدخل المدنس عالم الدناسة ؟
 متى وكيف ندرك المقدس ؟
 متى وكيف ندرك المدنس ؟
 مامشروعية الحديث عن مقدس بريئ ؟
 ما مشروعية الحديث عن مدنس بريئ ؟
 من يسبق الآخر؟ المقدس أم المدنس ؟ أم كليهما يسبق الآخر؟ أم كليهما لايسبق الآخر؟
 ما مصدر المقدس ؟
الكائن أم الكينونة ؟
الكون أم الكائن ؟
الكون أم المكون ؟
الفرد أم الجماعة ؟

بيبليوغرافيا

لسان العرب لابن منظور
موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الثالث، منشورات عويدات، بيروت ، تعريب خليل أجمد خليل، الطبعة الثانية،2001
شاكر مصطفى سليم، قاموس الانتروبولوجيا، جامعة الكويت، الطبعة الأولى، 1981،
نور الدين الزاهي، المقدس الإسلامي، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2005،
نفس المرجع،.
نور الدين الزاهي، المقدس والمجتمع بالمغرب الحالي، رسالة لنيل شهادة دكتوراه الدولة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية،فاس، السنة الجامعية، 2004-2005،
ميرسيا الياد، المقدس والمدنس، ترجمة عبد الهادي عباس المحامي، دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1988،
- يوسف شلحت، بنى المقدس عند العرب، تعريب خليل أحمد خليل، دار الطليعة- بيروت، الطبعة2 ، 2004
عبد السلام حيمر: الإصلاح، الموت، الحقيقة دراسات سوسيولوجية لبعض قضايا المغرب المعاصر سلسلة أبحاث 12 2003 مطبعة عكاظ الجديدة نمشورات كلية والعلوم الإنسانية مكناس
أسماء الهندريس:مسألة المقدس عند هيدغر مجلة مدارات فلسفية دار أبي رقراق للطناعة للنشر العدد18 /2009
جورج بلانديه:الأنتروبولوجيا السياسية ترجمة علي المصري المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع 1990
عبد اللطيف الشادلي: التصوف والمجتمع، نماذج من القرن العاشر الهجري، منشورات جامعة الحسن الثاني، سلسلة أطروحات ورسائل :رقم 4 .
محمد جحاح: الرمزي والتخيل في بنية واشتغال الحقل الصوفي، نحو رؤية سوسيو_أنتروبولوجية،مجلة مكناسة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية مكناس، العدد 15، 200
عبد الرحمان ابن خلدون ، عن كتابه المقدمة
محمد جحاح :{ أستاذ علم الإجتماع بمكناس}، عن {نصوص مختارة} في مادة: دراسات سوسيولوجية حول المغرب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية مكناس، السنة الجامعية 2004
فاطنة الغزي: رمزية الجسد في المتخيل الشعبي عند اليهود المغاربة :عن مشاركتها في منتدى ماستر الثقافة الشعبية، جامعة ابن طفيل القنيطرة
عبد الصمد الديالمي :سوسيولوجيا الجنسانية العربية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى كانون الثاني {يناير}2009 .
يوسف تيبس: {أستاذ المنطق والفلسفة المعاصرة}، جامعة محمد بن عبد الله، فاس، تطور مفهوم الجسد: من التأمل الفلسفي إلى التصور العلمي، مجلة عالم الفكر، المجلد 37، 04 أبريل، يونيو، 2009

اسم الملف: ميرسيا الياد- المقدس والمدنس.pdf
حجم الملف: 3.82 MB
عدد الزيارات: 3911 عدد الزيارات
التحميل: 8873 مرة / مرات

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.