quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Login
Login
Please wait, authorizing ...

القطيعة بين المثقف والفقيه - يحيى محمد

755 التحميلات

القطيعة بين المثقف والفقيه - يحيى محمد

ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من الكتابات التي تتحدث عن المثقف وعلاقاته. والغالب على هذه الكتابات هو أنها سلطت الضوء على الأفكار الأيديولوجية التي يحملها هذا الكائن، خصوصاً فيما يتعلق بمواقفه السياسية وأطروحاته التبشيرية.

لكن ما يعنينا في هذا البحث ليس تلك الأفكار، إنما تسليط الضوؤ على قضية جديدة لم يتم طرقها بعد، ألا وهي الجانب المنهجي والبنيوي للمعرفة لدى العقل المثقف، وذلك بغض النظر عن الاعتبارات الأيديولوجية والمذهبية. مع الأخذ بعين الاعتبار أن بحثنا يركز على الدرجة الرئيسية على المثقف الديني دون غيره من أصحاب التوجهات الأخرى. كذلك عمدنا إلى أن يكون بحثنا عن المثقف ليس بمعزل عن نظرائه ومنافسيه معرفيا، إنما غرضنا هو إجراء المقارنة وإبراز جوانب القطيعة المعرفية بينهما وبين الفقيه. وقد عالجنا هذا المبحث ضمن لمحورين مختلفين، أحدهما من حيث لحاظ اختلافهما في التوجهات المعرفية كما هو قائم ومجسد في الواقع، وذلك من خلال التركيز على بعض النماذج البارزة التي تمثل فئة المثقفين ومقارنة بينهما ككائنين صوريين مجردين عن الواقع الموضوعي، أي باعتبارهما عقلين منتجين للمعرفة، فأردنا أن نتعرف على هويتيهما البنيويتين من حيث إنهما ماهيتان صوريتان محددتان تبعاً للوظيفة المعرفية التي يقومان بإنجازها.

على هذا فقد قسمنا دراستنا هذه إلى قسمين رئيسين ضمن إطار ما سميناه (المثقف والقطيعة مع الفقيه)، فأطلقنا على القسم الأول (القطيعة التشخيصية)، وعلة القسم الثاني (القطيعة البنيوية). حيث تناولنا في الأول تحديد هوية المثقف وأصنافه المتعددة ومنها المثقف الديني، ثم قمنا بمقارنة معرفية بين عدد من رواد هذا الصنف الأخير من جهة، وبين مسالك الفقهاء التقليدية من جهة أخرى. كما تناولنا في القسم الثاني طبيعة المرتكزات المعرفية التي يتأسس عليها العقل الفقهي والعقل الثقافي، إذ كما سنعلم أنهما يختلفان في المصدر والآلية والأصول المولدة للمعرفة. ثم بعد ذلك كشفنا عن جملة من الخصائص المعرفية الناشئة عما يناسبها من المرتكزات لكل منهما. وبالتالي أظهرنا عمق التباين والخلاف الحاصل بينهما، حيث تتكشف ماهية القطيعة العقلية أو المعرفية عندهما. وقد اعتبرنا أن علة هذه القطيعة ترجع إلى الفصل الحاصل في المصدر المعرفي من الناحية التكوينية. فهو لدى الفقيه عبارة عن النص، لكنه لدى المثقف عبارة عن الواقع. أي أن الأول قد تمسك بكتاب الله التدويني، في حين تمسك الآخر بكتابه التكويني. مع ذلك فقد اقترحنا بعض قضايا الإصلاح التي من شأنها أن تقضي على موارد الضعف المعرف والمنهجي عندهما.

أخيراً فقد قدمنا لبحثنا مدخلاً دللنا فيه عن وجود تكافؤ في التصديقات المنضبطة بين المختص وغير المختص، وذلك لتبرير عمل المثقف المعرفي قبال الفقيه ومنافسته له في الحجة المعرفية.

* * * * *

كتاب "القطيعة بين المثقّف والفقيه"، للباحث يحي محمد، وإصدار مؤسّسة الانتشار العربي بيروت 2005.

فيه يحاول الباحث تقديم دراسة معرفيّة لإظهار جوانب القطيعة بين البنيتيْن العقليّتين للمثقّف الدّيني والفقيه، وتسليط الضّوء على قضيّة الجانب المنهجي والبنيوي للمعرفة لدى عقل المثقّف، بعيداً من الاعتبارات المذهبيّة الّتي تشكّل في فضائها، مع التّركيز على المثقّف الدّيني، وما جرى من قطيعة معرفيّة بينه وبين الفقيه، ولأجل ذلك، ركّز الباحث على تحديد الخلاف الحاصل بين التوجّهات المعرفيّة للمثقّف والفقيه، عبر ذكر نماذج بارزة لفئة المثقّفين، ومقارنتها بمسالك الفقهاء معرفيّاً، كما وإجراء مقارنة بينهما، باعتبارهما عقليْن منتجيْن للمعرفة، وهو ما يتطلّب التعرّف عن قرب إلى هويّتهما تبعاً للوظيفة المعرفيّة الّتي يقومان بها.

والكتاب على قسمين؛ في الأوّل منه محاولة لتحديد هويّة المثقّف وأصنافه المتعدّدة، ومنها المثقّف الدّيني، وفي القسم الثّاني، تبيان طبيعة المرتكزات المعرفيّة الّتي يتأسّس عليها العقل الفقهيّ والعقل الثّقافيّ، فهما يختلفان في المصدر والآليّة والأصول المولّدة للمعرفة، فلكلّ واحد خصائصه المعرفيّة، وهو ما يظهر عمق التّباين والخلاف النّاشئ بينهما، وهذا معنى القطيعة العقليّة بينهما.. فلدى الفقيه المصدر المعرفيّ هو النّص وعالمه، لكن لدى المثقّف هو الواقع وعوالمه، أي أنّ الأوّل لديه كتاب الله التّدويني، في حين يتمسّك الآخر بالكتاب التكويني.

وتمهيداً لهذا البحث، كان هناك مدخل تعرّض فيه الباحث للأدلّة الّتي تثبت وجود تكافؤ معرفيّ للأحكام بين المثقّف والفقيه، وذلك لتبرير عمل المثقّف المعرفيّ قبال الفقيه، ومنافسته له في الحجج المعرفيّة بحسب المؤلّف.

يتطرّق الباحث في كتابه إلى توضيح مفهوم المثقّف، وما يتّصل بذلك من بنى عقليّة منتجة لديه، وعلاقتها بالعقل الجمعيّ، وتوجّهات هذا المثقّف، والنّماذج الّتي يتحرّك في دوائرها، وما ينتج من ذلك. بعدها يتحدَّث الباحث عن طبيعة المرتكزات المعرفيَّة للمثقّف والفقيه، وما يدور في فلكها من تساؤلات وشبهات، ومصدر التَّعارض والقطيعة بين المثقَّف والفقيه، وغيرها من العناوين المتفرّعة.

ولما كان موضوع بحثه الأساس هو المثقّف الدّيني، فإنَّه يسعى إلى توضيح طبيعة هذا المثقَّف الملتزم وصاحب الإسلام الخالص والصَّادق، كمبدأ عقائديّ حضاريّ، ليس في ذلك اختلاف بينه وبين الفقيه من جهة المرجعيّة، وإنما الفارق هو بالفهم والأسلوب، ليبقى في المحصِّلة ثلاث عقليّات منتجة تتشكّل ضمن ثلاث دوائر للمعرفة، وهي: دائرة الفقيه ومن على شاكلته من النّصوصيّين، ودائرة المثقّف العلمائيّ، وأخيراً دائرة المثقّف الدّيني. وفي المحصّلة المعرفيّة، فإنّ نتائج الفقيه ظنيّة بيانيّة عادةً، بينما لدى المثقّف هي عبارة عن نتائج ظنيَّة عقلائيَّة مستمدّة من الواقع في الغالب.

كتاب غنيّ بعناوينه وأبحاثه المعرفيَّة الّتي تطرَّقت إلى إشكاليَّات متنوّعة، حاول الباحث الإضاءة عليها...

* * * * *

القطيعة بين المثقف والفقيه تعبر عن مرونة الواقع مقابل جمود النص! المـختصون لا يحتكرون فهم القضايا الإسلامية والعلم بها

«الفقيه» أحد المرادفات القديمة للفظ «المثقف» الذي لم يظهر الى الوجود في اللغة العربية الا متأخراً جداً، وكان لسلامة موسى فضل وضع اللمسة الأخيرة عليه بين اشتقاقات مصدر «الثقافة» الذي درج على الألسنة بمعناه الذي نتداوله اليوم بفضل جهود كثيرين آخرهم، كما أشرنا، سلامة موسى.

ويبدو أن هذا الترادف بين لفظي الفقيه والمثقف قد صار جزءاً من التاريخ، مفسحاً المجال لاختلاف بين اللفظين ودلالتيهما سجله أكثر من كاتب، مثل: د. أحمد عبد الله في كتابه «الجامع والجامعة»، ومسفراً ـ بالنسبة للبعض ـ عن قطيعة يسجلها يحيى محمد في هذا الكتاب، لا بين المثقف العلماني والفقيه فحسب، بل بين المثقف الديني والفقيه، وهي القطيعة التي يرصدها الكتاب في الأساس ويعالجها ضمن محورين: الأول يلاحظ اختلاف المثقف والفقيه في التوجهات المعرفية كما هو قائم ومجسد في الواقع، وذلك من خلال التركيز على بعض النماذج البارزة التي تمثل فئة المثقفين ومقارنة مسالكها بمسالك الفقهاء المعرفية. والمحور الآخر هو المقارنة بين المثقف والفقيه ككائنين صوريين مجردين عن الواقع الموضوعي، أي باعتبارهما عقلين منتجين للمعرفة.

العلم الشرعي

يقول المؤلف: فهم القضايا الاسلامية والعلم بها لا ينحصران في دائرة المختصين، مثلما يلاحظ من التلقائية التي كانت تسود بين الصحابة في أخذهم للعلم الشرعي دون الرجوع الى وسائط منهم ما لم يكونوا على جهل أو شك فيما يواجهونه من قضايا، فالمهم هو الفهم المقرب للصحة سواء بني الأمر على التخصص وممارسة الأدلة الصناعية أو على غيره مما يجري بصورة تلقائية، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «استفت نفسك وان افتاك الناس وأفتوك».

توجهات جديدة

وهو يحدد وجود ثلاث بنى عقلية منتجة هي : بنية المثقف(العلماني) وبنية الفقيه وبنية المثقف الديني. ونلاحظ أن المؤلف حين يطلق لفظ «المثقف» بلا ضابط يخصصه فهو انما يقصد به المثقف العلماني، وهي ملحوظة كان من شأن الالتفات اليها أن نظفر من المؤلف ـ على الأقل ـ بأطروحة حول ذلك الانفصال الذي نلمسه حولنا في كل مجال بين الطرح الديني كما تعرفه الأمة والطرح العلماني ـ من العالم ومن العلم أيضاً ـ كما تمارسه الأمة نفسها. ومادام المؤلف لم يلتفت الى هذه الملحوظة فلنكتف بالمضي معه فيما التفت اليه.

وهو يذكر خمسة توجهات للمثقف ـ العلماني والديني ـ هي:

> النموذج العلموي: الذي يجد في العلم ضالته الوحيدة في البحث عن الحقيقة وتأسيس المجتمع السليم.

> النموذج الميتافيزيائي: الذي يفترض وجود نسق قبلي ثابت كحقيقة مطلقة تتجاوز حدود التاريخ والزمان والمكان.

> النموذج الذرائعي: الذي لا يهمه ان كان مصدر الحقائق قبلياً أو بعدياً، انما يهمه توظيف الحقائق لقضايا نفعية تخدم المجتمع.

> النموذج العقلاني: الذي يؤمن بالعقل ايماناً مطلقاً من حيث قدرته على الكشف عن الحقائق وتحقيق ما تصبو اليه النفوس من نهضة انسانية.

> النموذج اللاعقلي: وهو على خلاف سابقه لا يمنح المنطق العقلي دوراً فاعلاً ومميزاً في كشف الحقائق وحل المشاكل العامة. وانما في الغالب ينظر الى العقل والواقع نظرة وجودية لا تبعث على التفاؤل في تحقيق ما ينشده الانسان من مبادئ والتزامات.

والمؤلف يقرر أن ظاهرة المثقف الديني جديدة لم تعرف من قبل، وهو مثقف مدين في مرجعيته المعرفية الى الواقع، لم يولد بين أحضان الفقهاء ولم يكن في ميدانه الجديد من أهل الصنعة التي هم عليها، ما شكل ظاهرة جديدة أفضت الى القطيعة فيما بينه وبين الفقيه.

ويقول: المثقف الديني مثلما يختلف عن المثقف العلماني فانه بالمقابل يختلف عن الفقيه؛ فهذا الأخير يكاد يلغي بدوره حظ الواقع من المنظومة المعرفية، مكتفياً في الغالب بما جاء في النص وحكم السلف، وهو بذلك يقف على الطرف الآخر الذي يعاكس فيه نهج العلماني؛ لذا جاء المثقف الديني ليربط بين المسلكين، وينظر بكلتا العينين، احداهما باتجاه النص خلافاً للعلماني، والأخرى باتجاه الواقع خلافاً للفقيه.

منهج رشيد رضا

وسمات المثقف الديني كما يرصدها المؤلف هي: الدعوة الى تجديد النظر في الدين، توسعة المصادر المعرفية، الميل الى التفسير السنني (بمعنى الأخذ بالأسباب الطبيعية وتفسير النصوص التي تتحدث عن الأحداث والوقائع تفسيراً يوافق سنن الله في الطبيعة) وهو منهج توفيقي عبر عنه الشيخ رشيد رضا بقوله ان الله قد أقام سنناً طبيعية نحن مجبرون عليها، وأوكل الينا اقامة سنن تشريعية نحن مختارون فيها، فاذا لم نوفق باختيارنا بين النوعين من السنن فانه سيثبت الجبري ويبطل الاختياري. ومن سمات المثقف الديني أيضاً: اعادة الاعتبار للمصلحة والمقاصد، الاهتمام بالحقوق الانسانية العامة، الحساسية تجاه الواقع الاجتماعي والسياسي، التأثر بالواقع الغربي، المرونة والانفتاح على الآخر.

وفي القسم الثاني من الكتاب يقارن المؤلف ـ بنيوياً ـ بين مرتكزات العقل وخصائصه المعرفية لدى كل من الفقيه والمثقف الديني. حيث المصدر المعرفي للفقيه هو النص، والمولد المعرفي هو كشف الماهية، وآلية المعرفة: البيان اللغوي، وهدف هذه الآلية هو تديين الواقع، ووسيلتها نصية، وقيمتها اطلاقية، وروحها تجويزية، وأيديولوجيتها دينية، ومحصلتها: ظنون بيانية.

أما المثقف الديني فان مصدره المعرفي هو الواقع (مع عدم انكار النص ولا استبعاده)، ومولده المعرفي كشف خبروي مع موجهات نصية، وآليته المعرفية نقد عقلاني، وهي آلية تهدف الى توقيع الدين (ربطه بالواقع) ووسيلتها مستمدة من الخبرة، وقيمتها نسبية، وروحها سننية، وأيديولوجيتها واقعية، والمحصلة ظنون عقلية.

وهي مقارنة ينهي بها المؤلف كتابه معفياً نفسه من التعليق، تاركاً لنا أن نستنتج تحيزه الى نهج المثقف الديني اذ الظنون العقلية هي القادرة على صياغة المستقبل ودفع عجلة الحياة، في حين تصلح الظنون البيانية لتزيين الكتب وادارة حلقات الجدل ليس الا!

اسم الملف: القطيعة بين المثقف والفقيه - يحيى محمد.pdf
حجم الملف: 2.39 MB
عدد الزيارات: 585 عدد الزيارات
التحميل: 755 مرة / مرات

Canon m50

alquds

رواد الفكر والفلسفة

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.